ولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الاول لأول عام من حادثة الفيل ويوافق ذلك العشرين أو الثاني العشرين من شهر إبريل سنة 571م حسبما حققه العالم الكبيرمحمد سليمان المنصور فوري والمحقق الفلكي محمود باشا . وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : لما ولدته خرج من فرجي نورا أضاءت له قصور الشام ,وروى أحمد والدارمي وغيرهما ما يقارب ذلك وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد , فسقطت أربع عشر شرفة من إيوان كسرى وخمدت النار التي يعبدها المجوس وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت , روى ذلك الطبري والبيهقي وغيرهما وليس لها إسناد ثابت . ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده فجاء مستبشرا ودخل به الكعبة ودعا الله وشكر له واختار له اسم محمد _وهذا الاسم لم يكن معروفا في العرب . وأول من أرضعته من المراضع بعد أمه ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له مسروح وكانت قد أرضعت قبله حمزة ابن عبد المطلب وأرضعت بعده أبى سلمة ابن عبد الأسد المخزومي.
في بني سعد
كانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسو المراضع لأولادهم ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر لتقوى أجسامهم و تشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع واسترضع له امرأة من بني سعد ابن بكر وهي حليمة الاسعدية وزوجها الحارث ابن العزى المكنى بـأبي كبشة من نفس القبيلة. وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة عبد الله ابن الحارث وأنيسة بنت الحارث وحذاقة أوجذامة بنت الحارث وهي الشيماء لقب غلب عى اسمها وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان ابن الحارث ابن عبد المطلب ابن عمه صلى الله عليه وسلم وكان عمه حمزة ابن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد ابن بكر فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند أمه حليمة فكان فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين من جهة ثويبة ومن جهة السعدية . ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قصت منه العجب ولنتركها تروي ذلك قال ابن اسحاق : كانت حليمة تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء قالت :وذلك في سنة شهباء لم تبقي لنا شيئا قالت فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ماتبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في ثدييي مايغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكن كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا كن نرجو المعروف من أب الصبي فكنا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بققيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عثدياي بما شاءمن لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كنا ننام معه حتى قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قالت فقلت والله إني لأرجو ذلك قالت ثم خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم حتى أن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بل والله إنها لهي هي فيقلن والله إن لها شأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب انسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ماتبض بقطرة لبن وترح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبايا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتاه حتى كان غلاما جفرا قالت فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت ابني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة قالت فلم نزل بها حتى ردته معنا وهكذا بقي النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة أوالخامسة من مولده وقع حادث شق صدره روى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاسخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهومنتقع اللون أي متغير اللون قال أنس وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره خشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه فكان عند أمه إلى بلغ ست سنين ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا ومعها ولدها اليتيم محمد صلى الله عليه وسلم وخادمتها أم أيمن وقيمها عبد المطلب فمكثت شهرا ثم قفلت وبينما هي راجعة إذلحقها المرض في أوائل الطريق ثم اشتد حتى ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة .
إلى جده العطوف
عاد به عبد المطلب إلى مكة وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتم الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده فكان لا يدعه لوحدته المفروضة بل يؤثره على أولاده قال ابن هشام كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليأخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا ثم يجلس معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع
إلى عمه الشفيق
نهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه ويبسط عليه حمايته ويصادق ويخاصم من أجله .
يستسقى الغمام بوجهه
أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي أجدب العيال فهلم فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قثماء حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فإلصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق وانفجر الوادي وأخصب النادي والبادي وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال